بعد الكارثة
جميعنا يمر بمواقف صعبة للغاية،
بعضها قد تكون بسيطة وقابلة للتجاوز بسرعة، والاخر منها قد تكون كبيرة، تجاوزها
ليس بتلك السهولة التي نتوقعها، بعضها قد تكون صعبة جدا لدرجة عدم استيعابها في
بادئ الأمر.
قد يكون هذا الامر مفارقة حبيب فقدان
شخص عزيز علينا، انتهاء علاقة جميلة ضننا انها ابدية،
تلقي خبر سيء او لا سمح الإصابة بمرض. قبل فترة وليست هي بالطويلة،
فقدت انا وعائلتي فردًا من أفراد أسرتنا الصغيرة. لا تكفي الحروف ولا الكلمات، بل وتعجز عن الوصف والتعبير عن هول الموقف
والصدمة وتلك الخسارة.
وكان شيئا لم يكن…
تستمر عقارب الساعة بالدوران…
تستيقظ العصافير مع بزوغ الفجر…
تُشرق الشمس في الصباح وارى خيوط
اشعتها الذهبية تتخلل عبر ستارة غرفتي…
أحدق بإمعان شديد سقف الغرفة وكأنني
احاول وجود تفسير لما يحدث… افتح عيني فجأة ... بهلع شديد اتوسل ان كل ما حدث كان
مجرد كابوسٍ بشعٍ داهم حلوَ احلامي... وها أنا ذا من جديد ... لا شيء يبدو حقيقياً…
تختلف صعوبة هذه الاحداث وتقبلها من
شخصٍ لآخر، بعض المواقف الصعبة مثل فقدان اشخاصٍ اعزاء على قلوبنا، انتهاء علاقة
عاطفية، تشخيص بمرض خطير، فقدان وظيفة او مصدر دخل، ليست بتلك السهولة.
ف قد يمر صاحبها بـالـ five stages of a grief او بما يسمى "مراحل الحزن الخمس" قد يختلف ترتيب هذه المراحل من شخصٍ لآخر، ولكن عادةَ تبدأ:
- بالـ الإنكار Denial وعدم التصديق
في المرحلة الاولى الا وهي الانكار
يفقد صاحبها الشعور والاحساس بالواقع ويشعر وقتها بفراغٍ كبيرٍ جرّاء ذلك الحدث
وتلك الصدمة، فيشعر انه منقطع عن الواقع وان كل ما يحدث له ليس واقعاً او ليس
حقيقياً. الإنكار هنا ليس دليل ضعف، بل هو
ردّة فعل دفاعية من العقل حتى يحمينا من الصدمة. وهو أول خطوة في رحلة الحزن، يجب
علينا مراقبة تصرفاتنا فيه خلال هذه المرحلة، لأنه سيمنعنا من التقدم ما إذا طالت
هذه المرحلة.
-الغضب
Anger
قد يتشكل الحزن وعدم تقبل هذا الواقع
الى موجات غضب غير مبررة بسبب صعوبة تفسير هذا الحدث. غضب داخلي موجه للنفس، غضب
على البيئة المحيطة او حتى غضب غير مبرر يحدث لأتفه الأسباب. الغضب لا يعني أنك
شخص سيء، الغضب هنا يعني أنك تحاول ان تفهم وتتعامل مع هذه الصدمة، تحاول ان تفهم
وجعك، وتفتش عن مبرر، حتى لو غلطت على اللي حولك.
خليك واعي تجاه غضبك لا تخاف من غضبك
لكن لا تجعل غضبك يكسرك او يكسر اللي تحبهم.
-المساومة Bargaining
المساومة هي محاولة بائسة نرجّع اللي
فات. نساوم ونفاوض القدر، نلوم ونقسى على أنفسنا، نضع كل السيناريوهات التي كان من
الممكن ان تحدث لو عدنا بالزمن، او حتى نحاول نتلافى أخطاء انطوت صفحاتها.
في هذه المرحلة يكون الندم هو سيد
الموقف، ف يندم صاحبها على الوقت الماضي وكل ما
فات مثل الندم على عدم قضاء وقتٍ
كافي مع فقدائنا وتسائل الشخص بينه وبين نفسه، ماذا لو سويت، ويا ليتني
عطيت.
نحاول نلقى معنى، نحاول نلحق شي فات.
لكن الحقيقة هي ان ما نقدر نغيّر اللي صار... نقدر بس نفهمه ونتجاوزه ببطء.
-الاكتئاب
Depression
الاكتئاب ليس حزناً واضحاً. أحيانًا يكون
الاكتئاب على شكل تعب، فراغ، لامبالاة. تصحى وما فيك طاقة، ما فيك تشرح، وما فيك
حتى تبكي.
الاكتئاب ليس كسل ولا ضعف إيمان. هو
مرحلة يمر فيها العقل جرّاء الألم. لا يوجد هنالك حل سحري لتخطي
الاكتئاب، ولكن هنالك خطوات صغيرة تساعدنا على تجاوزه.
-تقبل المشكلة والشعور اولاً فليس من
خطأك انت أنك مكتئب. ولكن الخطأ هو إن تعيشه وحدك.
التقبل يخفف ثقل الشعور مباشرة.
-كسر
العزلة خطوة بخطوة، لا تحكي لكل الناس، شخص واحد تثق فيه كفاية.
-خلق
روتين بسيط جدًا، الروتين يصنع شعور بالأمان. ابدأ بأفعال وخطوات بسيطة وصغيرة. قوم من السرير. افتح الشباك. اشرب مويه. تناول وجبة لذيذة، اطلع امشي
10 دقائق "أحيانًا النجاة تكون بأصغر الأفعال".
-حاول بان
تفرغ بدل الكتمان، بالكتابة مثلاً او بتسجيل صوتي لنفسك. ابكي بدون سبب وبدون
اعتذار. "الكتمان يضخم الاكتئاب، ولكن التفريغ
يخففه".
“لو طال
الاكتئاب، واصبح يمنعك ان تعيش بشكل طبيعي، اطلب مساعدة من مختص، زيارة مختص ليس خيارا
إضافي بل هو ضرورة. طلبك للمساعدة نضج، وليس ضعف. المرحلة الخامسة والأخيرة،
-التقبل Acceptance
بعد كل المراحل اللي السابقة من
انكار وغضب ومساومة ودوامة اكتئاب، يحين الوقت الذي توقف به حربك الداخلية. ليس
بسبب النسيان او لأنك تعافيت فجأةً بطريقةٍ سحرية، ولكن لأن المعركة الان يجب ان
تنتهي وتتيقن وقتها بانك تعبت من القتال، وهذا ما يسمى بـ "التقبل" يجب
عليك وقتها ان تتقبل هذه الحقيقة.
وتعتبر هذه المرحلة من أصعب مراحل
الحزن، حيث إن وقتها يكون الشخص قد تقبّل حقيقة هذه الخسارة ويحاول وقتها ان يتكيف
مع حقيقة هذا الشعور والحدث الصعب.
بعد المراحل الخمس تلك، نمر بمراحل
تهدئة الذات، وإعادة التوازن النفسي، يقول أسامة الجامع كما للمصائب سلبيات
فللمصائب إيجابيات كذلك منها:
"تعطينا
فهمًا أكثر واقعية عن الحياة. فمن
يتجاوزها يمتلك خبرة عميقة. ف
المصائب تجعل توقعاتنا أكثر واقعية وموضوعية وتتشكل مفاهيم جديدة عن الحياة، عن
أنفسنا، عن الآخرين. فهي توقظنا من غفلة وتدفعنا
بعد عثرة."
عندما نواجه مواقف صعبة تصبح نظرتنا أكثر
واقعية ويتشكل فهمنا لأنفسنا أكثر، نعلم ما نريد ومن نريد. الألم يعلمنا كيف نصيغ
توقعاتنا ونضعها في مكانها الصحيح، يعلمنا كيف نميز الاشخاص، ويصقلنا. أحياناً
تكون المصيبة هي التنبيه الذي كنا بحاجته، توقظنا من غفلة، وتدفعنا حتى نقف على قدمينا
من جديد.”
لكن يجب ان نعرف ان هذه الإيجابيات
ليست بالضرورة واضحة فوراً بعد المصيبة، بل هي تأتي مع مرور الوقت. لذلك، اعطي
نفسك حقها بالشعور اللي تبغى تحس فيه، لا تحمل نفسك فوق طاقتها، عبّر عن مشاعرك.
قال المتنبي في الفِراق والحنين:
«كلُّ جرحٍ إذا طالَ الزمانُ به...
دُوِيَ، إلا جرحَ الفراقِ»
وقال ايضاً عن وجع الفقدِ:
«بمَ التعلُّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ ... ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ»
وقال عن غلبة الشوق:
«أُغالِبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلَبُ ... وأعجبُ من ذا الهجرِ
والوصلُ أَعجَبُ»
وعن رثاء الأحبة والأعزاء من الناس وفلذات الروح، رثاء الخنساء في
اخيها صخر:
كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ
وتقول الخنساء أيضاً في رثاء الأخ:
يا عَينِ جودي بِالدُموعِ الغِزار ... وَاِبكي
عَلى أَروَعَ حامي الذِمار
ومالنا عند ذكر شعر الرثاء الا وان نذكر مرثيّة الامير خالد الفيصل "دايم
السيف" حفظه الله في والده الملك فيصل رحمه الله:
لا هنت يا راس الرجاجيل لا هنت
لا هان راس في ثرى العود مدفون
والله ما حطك بالقبر لكن آمنت
باللي جعل دفن المسلمين مسنون
منزلك يا عز الشرف لو تمكنت
فوق النجوم اللي تعلت على الكون
وقال في وفاة أخيه الامير سعود الفيصل رحمه الله رحيل سعود:
قصيدة الأمير خالد الفيصل في رثاء أخيه
سعود الفيصل رحمه الله..
شمسك غشاها اليوم دونك غباير
خلّيتنا يا سعود والوقت غبّار
ياعين أخوك إللي ترد العباير
حبستها والدمع للعين غدّار
يقولها اللي بالمواجيع خابر
رجلٍ على صكّات الايام صبّار !
وقال دايم السيف أيضاً في وداع الامير سلطان بن عبدالعزيز اجمل قصيدة
رثاء ووداع تم تلحينها وغنائها، اجمل واعذب نغمات العود، عزفت لأجل تلحين الألم الذي
طرزه دايم السيف في قصيدة "عند الموادع"، سلطان الخير الذي لوداعه تطيح
بنا الدمعة كما قال الامير خالد الفيصل:
عند الموادع دمع عيني غلبني
وطاحت بي الدمعة على كف سلطان
أحب يمنى عمي اللي حشمني
ومن لامني في حب سلطان غلطان
ليس من السهل ابداً مفارقة احبائنا
وفلذات أكبادنا، من يرحلون عنا يتركون فجوة في قلوبنا وحياتنا، الذكريات في بادئها
تدمينا وتدمعنا، ولكن الحياة تستمر، التظاهر بأن الأمور باتت بخير بعد الكارثة
بينما هي عكس ذلك، أصعب من الكارثة نفسها، ومع ذلك فالوقت كفيل بان يساعدنا على
تخطي مشاعر الصدمة.
يجب علينا بعد ذلك تقبل الواقع
والحدث الحاصل، لا يفيد الان الندم على ما فات، يجب علينا أن نعوّد أنفسنا ان ما حدث
كان يجب حدوثه، وانه امر خارج عن سيطرتنا ولا توجد اي قوة خارجية او تأثير من
الممكن له ان يغير مسار الاحداث ف الحمدلله دائما على قضائه وقدره.
لا اعلم انا نفسي كيف تقبلت تلك الخسارة،
ولكن كل ما اعلمه ان الوقت كان كفيلاً بان يطبب على قلبي وان يدمل جراحي. لا نزال
في طور استيعاب الامر، توقفنا عن الحديث عنه راجين ان يكون الصمت هو الدواء. نرى
الألم والحزن في اعين بعضنا البعض، ندعو عن ظهر قلب ان يطمئن الله قلوبنا وان
تتجلى حنيته أيامنا واحداث حياتنا القادمة.
بالنهاية اود ان أقول، كن فخوراً
بفوزك على معاركك الداخلية التي لا يعلم عنها أحد.
بعضُ الخسارات لا تعني الهزيمة، ربما
هي البداية لمرحلةٍ جديدة، وليست هي سوء خاتمةٍ وإنما إختيارٌ من الله.
دمتم مطمئنين,
References:
X: Oaljama
تعليقات
إرسال تعليق